تزاحم القيم في العالم المعاصر: إسهامات إسلامية: كلمة افتتاحية للمؤتمر الدولي السنوي الرابع

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم باحسان إلى يوم الدين،

إن الواقع المعاصر انبزغ ونما في حين غفلة من المسلمين، فلم تكن أنماطه الاجتماعية والحياتية ومحصولاتُه العلمية والتكنولوجية من نتاجهم وإسهامهم المباشر، بل لم تتطور معه مناهجهم المعرفية والفكرية. فخرج الوضع عن سيطرتهم وأخذوا يعالجون القضايا معالجة تلفيقية على غير هدي من منظومتهم القيمية. فأمام الفارق النوعي بل الأنطولوجي بين مجتمعات الأمس واليوم لم يعد في وسع المناهج الفقهية والفكرية القديمة أن تحقق أمرا ذا بال في سد الهوة بين المنظومة القيمية الإسلامية والواقع المعاصر. ومن نتائج قصور مناهج المسلمين المعرفية عن مواكبة الواقع الجديد؛ تفرق المسلمين على ثلاث فرق في التعاطي مع الواقع: فرقة تحذر الواقع وكلَّ ما يصدر عنه بتهمة أنه من صنيع الآخر وتفضل الاختفاء في الأنماط التراثية، وثانيةٌ تستسلم للواقع ولما يُفرضه من أنماط وتصورات، دون تمييز الغث من السمين والنافع من الضار، والأخيرة تحاول إضفاء الشرعية الدينية عن بعض عناصر الواقع وتلفيقَها مع بعض العناصر الموروثة دون توجيه واعي أو تخطيط علمي في إطار رؤية الإسلام الوجودية ومرجعيته الأخلاقية.

فكل من هذه المواقف الثلاثة ناتج عن نفس الإشكال، وهو فقدان المنهج العلمي الشمولي الناهضِ بمهمة تحقيق المثل الأخلاقية في الواقع المعاصر. وكلٌ من هذه المواقف الثلاثة يترتب عليه نفس الأثر؛ وهو إبقاء الواقع على ما هو عليه والخضوع لسلطانه دون طرح سؤال الأخلاق والقيم والغايات.  

فالاختلاف الأنطولوجيُ بين المجتمعات المعاصرة المعقَّدة والمجتمعات القديمة البسيطة، يستلزم إصلاحا جذريا نوعيا وشاملا على مستوى الفكر الديني، مدخله الأساسي ليس الحلال والحرام العائدان إلى أشكال السلوك ومظاهرها، بل مدخله الأساسي الأخلاق العائدة إلى جوهر الحقائق ومقاصدها ومآلاتها. وهذا الإصلاح الجذري هو ما يطمح إليه مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق منذ تأسيسه في عام ألفين واثني عشر.

ومن المداخل المنهجية لهذا الإصلاح في نظر المركز، جمع علماءِ الشريعة وعلماءِ السياق على أساس نموذج منهجي يلائم التحديات المطروحة للتوصل إلى حلول وبدائل أخلاقية ناجعة. ويأتي انعقاد المؤتمر السنوي الدولي الرابع للمركز بعنوان: "تزاحم القيم في العالم المعاصر: إسهامات إسلامية" ضمن هذا المسار. وقد ارتأى المركز أن يركِّز هذا العام على محاورَ أربعة هي: المنهجية، والسياسة، واللجوء، وزواج الأقارب.

وفي الختام أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الجهد، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شوقى الأزهر
نائب مدير المركز

 

أضف تعليقاتك

Your email address will not be published*

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

شارك

شاهد البث الحي

لا يوجد بث مباشر في هذا الوقت.

استبيانات

محاضرة: هل لنا أن نعدل جينات أطفالنا؟

الخيارات

منتديات

هل تؤمن بشيء اسمه أخلاق الحرب ؟

اشترك في نشرتنا الإخبارية

إدارة اشتراكاتك في الرسائل الإخبارية
اختر نشرة أو أكثر ترغب في الاشتراك فيها، أو في إلغاء اشتراكك فيها.
حتى تصلكم رسائل بآخر فعالياتنا وبمستجدات المركز
عنوان البريد الإلكتروني للمشترك
Preferred language
The e-mails will be localized in language chosen. Real users have their preference in account settings.
2011-2019 جميع الحقوق محفوظة مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق