مجالات البحث – مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق
FrançaisEnglish

الشیخ الدكتور عبد الله الجدیع: مقاصد التمويل الإسلامي

05/07/2014

1

الشیخ الدكتور عبد الله الجدیع: تقييم أداء المؤسسات المالية الإسلامية

05/07/2014

1

الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي: الفروق الجوهرية بين البنوك الربوية والبنوك الإسلامية

05/07/2014

1

الدكتور عبد العظيم أبو زيد: أداء المؤسسات المالية الإسلامية: تحديات وشبهات

05/07/2014

1

د. طارق رمضان

عرض السيرة الذاتية

شوقى الأزهر

عرض السيرة الذاتية

د. عبد العظيم أبو زيد

عرض السيرة الذاتية

د. عبد الله الجديع

عرض السيرة الذاتية

Dr. Hatem El-Karanshawy

عرض السيرة الذاتية

الدكتور محمد فاضل

عرض السيرة الذاتية

الدكتور فيليب مولينو

عرض السيرة الذاتية

الشيخ د. علي القره داغي

عرض السيرة الذاتية

الدكتور محمد عمر شبرا

عرض السيرة الذاتية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .....وبعد

فهذا ملخص للبحث في رؤوس أقلامه ، حيث تناول البحث التمهيد في التعريف بالمقاصد  وبالتمويل الإسلامي ، ومقاصد المكلفين ، ومعنى النية .

ثم بينت أنواع مقاصد الشريعة ، ثم إن المقاصد لها ثلاثة أنواع :

1- المقاصد العامة.

2- المقاصد الخاصة بكلي معين مثل التمويل الذي يشمل مجموعة من العقود ، أو بموضوعات معنية .

3- المقاصد الجزئية الخاصة بحكم معين سواء كان له مقصد واحد ، أو أكثر مثل الأمر بكتابة الدين حيث إن المقصود منه : توثيق الدين ، وحفظ المال من الضياع ومنع التنازع والخلاف ..

ثم تطرقت إلى أهمية تحديد المقاصد للتمويل ( وغيره ) ، وأهمية تحديد المقصد الخاص وأثره على الاختلاف في الأحكام ، وأن الخطأ في تحديد مقصد الشارع في الأمر ، أو النهي تترب عليه آثار خطيرة ، بل قد تصبح كارثية على مستوى الحضارة وتقدم الأمم ، ففي نظري أن ما ظهر في القرن الثالث الهجري وما بعده من الزهد البارد الذي أدى إلى الانعزال عن الحياة والتشجيع على ترك الدنيا كان بسبب تخصيص مقاصد الشارع بالحض على ترك الدنيا استنباطاً من بعض الآيات التي فيها ذم الدنيا ومتاعها والتقليل من شأنها ، ويفهم من الآيات والأحاديث المماثلة لها أن مقصد الشارع منها هو ذم الدنيا وذم الأموال مطلقاً وتركهما والاكتفاء بالكفاف دون محاولة التعمير والتمكن من الأرض حيث أدى ذلك إلى تأخر الحضارة الإسلامية وانحسار الابداع ، فهؤلاء أخطأوا في مقصد الشارع في هذه النصوص لأنه أراد بذلك عدم الاغترار بالدنيا ، والاستغناء والتكبر والترف ، ولم يقصد بذلك تركها وعدم تعميرها أبداً ، لأن الله تعالى جعل آدم خليفة في الأرض للعبادة الشاملة للتعمير والتنمية ، بل إن هناك آيات وأحاديث صحيحة أخرى تمدح الدنيا والمال ، فنجمع بينهما بحمل الزمرة الأولى على الغررو والافتنان والاستغناء والاستكبار بسبب الدنيا والمال ، وتحمل الزمرة الثانية على ما إذا استعملت في الخير والتعمير .

وقد أجبت عن السؤال الأساسي حول المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالفرد ، والمجتمع ، والدولة ، والاقتصاد العالمي ، وقد استلزم منا تقسيم الجواب على الفروع الأربعة المنصوص عليها في عنوان هذه الدراسة :

الفرع الأول : المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالفرد ، وهي :

(1) تحقيق العبودية لله تعالى في نطاق الأموال كسباً وتملكاً ، وإنفاقاً ، وتوزيعاً وإعادة توزيع ، وضبطها بأحكام الشريعة ومبادئها ، وربطها بالعقيدة والأخلاق فقال تعالى : ( وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ).

(2) الحفاظ على المال وتنميته وتطويره بالتمويل والاستثمار والحفاظ عليه ، ودرء المفاسد والمضارّ عنه.

(3) توفير الأمن الاقتصادي للفرد من خلال تمويل ضرورياته وحاجياته ومكملاته . وغير ذلك .

 

الفرع الثاني : المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالمجتمع :

(1) تكوين مجتمع ملتزم في أنشطته الاقتصادية بأحكام الشريعة ومبادئها ، وبالقيم والأخلاق السامية .

(2) تنمية المجتمع تنمية اقتصادية من خلال التمويل الناجح تترب عليها تنمية شاملة للجانب الاجتماعي والثقافي والفكري.

(3) المساهمة في تعمير الأرض بما يحقق رسالة الإسان في الاستخلاف .

(4) تحقيق العدل في الأنشطة الاقتصادية ولا سيما في نطاق التوزيع وإعادة التوزيع .

(5) تحقيق التكافل الاقتصادي والاجتماعي .

(6) تخفيف آثار الفقر والبطالة ، والتضخم والتخلف ، والمساهمة في علاجها علاجاً جذرياً .

 

الفرع الثالث : المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالدولة :

(1) تقوية الدولة اقتصادياً والوصول بها إلى الاكتفاء الذاتي زراعياً ، وصناعياً ، وتجارياً ، وسياحياً ، من خلال تنشيط حركة التمويل والاستثمار .

(2) تحقيق الاستقرار ، وتوفير الأمن الاقتصادي الذي يعدّ مكملاً للأمن السياسي كما أشار إلى ذلك قوله تعالى : ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ).

(3) المساهمة في زيادة العرض الطلي والطلب الكلي للمنتجات بشكل يترتب عليه تنشيط الاقتصاد الكلي.

(4) مساعدة الدولة في أداء دورها الحضاري في بناء المؤسسات الحضارية ، ودورها الاجتماعي في تحقيق التكافل والتضامن ، والتأمين الصحي والمستقبلي ، ودورها العسكري في ردع العدوان ، وفي الدفاع عن الدين وعن سيادة الوطن وامن المواطن وكرامته .

الفرع الرابع : المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالاقتصاد العالمي :

(1) إعطاء صورة حقيقية مشرقة للاقتصاد الإسلامي بصورة عامة ، وللصيرفة الإسلامية بصورة خاصة في مجال التمويل والاستثمار تطبيقاً للمقصد الأسمى من إرسال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة الشاملة للعالم أجمع ، فقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) .

(2) المساهمة في إنشاء اقتصاد عالمي يتسم بالعدالة والشفافية ، وتتحكم فيه القيم والأخلاق ، ويقوم على اقتصاد يتعامل مع الأعيان والمنافع والحقوق الحقيقية الموجودة ، وتكون أدواته عقوداً حقيقية لا صورية ولا شكلية ولا وهمية ، ولا مجرد تركيب للعقود لينشأ منها هيكلة مرتبة ورقياً ولكنها لا تحرك ساكناً ، ولا تحقق دورة للاقتصاد ، ولا تجعل للأموال دولة بين الناس .

 

أما الآثار الناجمة على ربط التمويل الإسلامي بمقاصد الشريعة ، وبعدم ربطه بها ، فتترتب على ذلك آثار كبيرة ذكرتها في البحث :

أولاً - دور مقاصد الشريعة في الاقتصاد بصورة عامة :

ثانياً : دور ربط التمويل بالمقاصد وآثاره :

ثالثاً - دور مقاصد المكلفين في الاقتصاد :

وقد بينا كذلك :

  • التحليل الاقتصادي من خلال فقه المآلات وسدّ الذرائع :

  • بين التحليل الاقتصادي وفقه المآلات :

  • دور النيات والقصود في ترسيخ القيم والأخلاق في الأنشطة الاقتصادية :


وقد أجبت كذلك عن:

السؤال الأول : كيف يمكن تقييم مسيرة التمويل الإسلامي اليوم ، وعلى سبيل المثال : البنوك الإسلامية ، والبنك الإسلامي للتنمية ومؤشر داوجونز ؟

السؤال الثاني : إلى أي مدى قدم التمويل الإسلامي نموذجاً بديلاً أم يمكن القول بانه لا يزال مقيداً بأغلال النظام الاقتصادي لليبرالي الراهن وسارياً في محرابه ؟

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

06/2014 الأخلاق والاقتصاد

10/06/2014

 

عقد مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق ندوة حول "الأخلاق والاقتصاد"، استغرقت ثلاثة أيام ابتداءً من يوم الثلاثاء 10 يونيو إلى يوم الخميس 12 يونيو 2014 في مقر كلية قطر للدراسات الإسلامية، جامعة حمد بن خليفة بمدينة الدوحة بدولة قطر. وتناولت البحوث المقدمة في الندوة والمناقشات سؤالين محوريين هما:

أولاً: ما هي الأهداف الكبرى للمؤسسات المالية في النظام الليبرالي الجديد السائد اليوم فيما يتصل بالفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد العالمي؟

ثانياً: ما هي المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد العالمي؟

وأثار السؤالان معاً قضية المقارنة بين أهداف أو مقاصد التمويل في النظام الليبرالي الجديد والنظام الإسلامي وذلك فيما يتعلق بالفرد والمجتمع والاقتصاد العالمي.

وقد قدمت في الندوة أربعة بحوث علمية من الأساتذة المشاركين تناولوا فيها السؤالين المحوريين بالدراسة والتحليل، كما قدمت تعقيبات على هذه البحوث من باقي الأساتذة المشاركين. وقد جرت المناقشات والحوارات بين الجميع حول ما جاء في هذه الأوراق المقدمة، وتم التعليق عليها، وطرح بعض الإشكالات ومناقشتها، واستخلاص ما يمكن من مفاهيم ومن نقاط اتفاق أو اختلاف في القضايا التي أثيرت.

وقام بتقديم أول الأوراق الدكتور فيليب مولينو[1]، حيث تناول في بحثه: "رحلة إلى مستقبل النظام المصرفي" الدور الرئيسي للمصارف في النظام الليبرالي الحديث مبيِّنا أهميتها في الاقتصادات عموما، مستعرضا ومقيِّماً الدور الذي قامت به في النمو الاقتصادي، كما ناقش معالم النظم المصرفية، والقضايا المرتبطة بالنمو الكبير في المصارف وكذا التعقيدات المترتبة على نمو الحجم وتغلغل النشاط المصرفي في الأنشطة الاقتصادية، مشيرا إلى نماذج الأعمال المصرفية المشوهة، وعلاقة النظام المصرفي بالأزمات الاقتصادية التي تميزت بالعنف في سنوات 1929-1933 ثم في 2007/2008 والتي استغرقت سنوات واستدعت انفاقاً ودعماً حكومياً كبيراً.

وخلص مولينو إلى أن الأنظمة المصرفية العالمية لا تزال في حالة تقلب تخضع لإصلاح تنظيمي وهيكلي كبير، لا سيما أنظمة الاقتصاد المتقدمة في أوربا والولايات المتحدة التي أصيبت بانهيارات كبيرة خلال العامين 2007 و 2008. كما أن أزمة الديون السيادية لمنطقة اليورو فرضت إنشاء بيئة جديدة لتسوية وضع المؤسسات المتعثرة. وأشار إلى أنه يجب على كل المصارف أينما كانت الاحتفاظ بالمزيد من رأس المال والسيولة وتقليل تعرضهم لمخاطر بعض الأعمال التجارية، كما أن عليهم مراجعة هياكلهم الإدارية الحاكمة. والهدف كما يبدو الآن في نظره هو التوصل إلى مصارف وأنظمة مصرفية أكثر أمانا، وهذا ما سيقيد بالطبع من قدرة المصارف على التوسع في نشاط الائتمان، أما كيف يتم إنجاز هذا الهدف فهذا أمر غير واضح في رأيه.

ويقرر مولينو أن أثر التمويل على التنمية الاقتصادية يقل كلما كان الاقتصاد ضخما وأكثر تقدما، ولذلك لا يتوقع أن يكون لمعظم اللوائح والإجراءات المصرفية الجديدة في الاقتصادات المتقدمة تأثير سلبي على النمو. على أن هذا يطرح سؤالا حول ما تفعله المصارف الكبرى لصالح الاقتصاد عموما.

لقد تحولت الأنظمة المصرفية في الاقتصادات المتقدمة إلى هياكل مشوهة، بالغة الضخامة والتعقيد ترتبط بنماذج مختلة من الأعمال. وبهذا تعد مصدراً للاختلالات، في الوقت الذي تستفيد فيه من الدعم الصافي الذي يستلزمه تحقيق الأمان للاقتصاد، الأمر الذي يثير مشكلات أخلاقية بحسب مولينو.

لقد سعى الإصلاح التنظيمي لجعل الأنظمة المصرفية أكثر أمانا، وذلك لتقليل احتمالية وقوعها في الأزمات وعمليات إنقاذها من أموال دافعي الضرائب مستقبلا. إلا أن قضية الحجم ونماذج الأعمال غير المنضبطة التي صرفت عناية المصارف للتجارة على حساب الوساطة المالية التقليدية لم تتم معالجتها بشكل كامل. فلا يزال لدينا إلى الآن مصارف يزيد حجمها عن حجم الاقتصادات المحلية، وأنظمة مالية أضخم بكثير من الدول التي تعمل فيها. كما أشار فيليب مولينو إلى ضرورة فرض المزيد من القيود على النظام المصرفي، لأن النظام الليبرالي الحديث مازال يعمل على حماية المصارف الضخمة من السقوط في إطار مفاهيم: "أضخم من أن يسقط" (TBTF) أو "أعظم أهمية وانتظاما من أن يسقط" (TSITF).

لعل من الواجب اعتبار المصارف الكبرى مرافق عامة ومن ثم تنظيمها تبعا لذلك، وإعادة النظر في دور الحكومة في النظام المصرفي من خلال مصرف أو مصارف حكومية قوية يمكنها إمداد الاقتصاد بمنافع محددة في أفق توجيه مؤسسات القطاع الخاص وتوجيه الموارد للاستخدامات المهمة وتوفير الدعم في وقت الأزمات. ومن الجلي أن العقود القليلة الماضية شهدت  حركة مستمرة نحو بيئة أكثر تحررا تقوم على سوق منفتح، وهذا لم يكن الخيار الأمثل، فمثل هذه البيئة أدت إلى انهيار مالي كبير.  ويذكر العالم أن مثل هذا الانهيار حدث في الماضي خلال الكساد العظيم وأدى إلى وضع قيود مشددة على المصارف التجارية لمنعها من التوسع عالميا، وقيود على فتح فروع جديدة لها، مع السيطرة على عمليات الاندماج، بالإضافة لوضع قيود على مجموعة عريضة من الأنشطة التجارية جرى تحديدها. وقد تطلب الأمر من 50 إلى 60 عاما قبل إزالة هذه القيود على نحو تدريجي. ولعل في هذه السابقة درسا تشريعيا، فالإصلاحات المقترحة والقيود التي خضعت لها المصارف في الولايات المتحدة وأوربا خلال الأزمة المالية الحالية ليست في شدة القيود المشار إليها. وفي إطار دور الدولة  الذي تزايد خلال الأزمة المالية الأخيرة يرى مولينو أن نظاماً لنموذج مصرفي يجمع بين العام والخاص قد يوفر مناخاً أفضل من النموذج المصرفي القائم على المصالح الخاصة فقط والذي اتضح جليا اشتماله على عيوب خطيرة.

وفي تعقيبه على ورقة الدكتور مولينو قال الأستاذ كافيلاش شولا[2]: إن المصارف التي تعمل بصورة طبيعية في إطار النظام الليبرالي الحديث تستهدف معظمة أرباحها، وهذا لا يتفق بالضرورة مع المصلحة الاجتماعية التي تستلزم توجيه التمويل لتحقيق التنمية الاقتصادية. ولهذا السبب ربما انتهى مولينو إلى اقتراح نظام مصرفي يمزج بين الخاص والعام. وأشار إلى آراء ميلتون فريدمان ومقدرة قوى السوق الحر على توزيع الموارد المتاحة على نحو أمثل بالنسبة للفرد والمجتمع، ولكنه يطرح في أكثر من موقع هذا التساؤل: هل استطاع السوق في إطار النظام الليبرالي الحديث فعلاً تحقيق التوازن في النهاية بين المصالح الفردية والمصلحة الاجتماعية؟

وأكد كافيلاش على أن النظام الليبرالي الحديث أثبت عجزه على تحقيق المحصلة النهائية المستهدفة من وراء آلية التوزيع الأمثل للموارد، وربما كان نقص المعلومات أحد الأسباب الهامة.

لقد أظهرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة عجز هذا النظام بشكل صارخ على تحقيق التوازن بين المصالح الخاصة ومصلحة المجتمع، وأن المؤسسات المالية التي استهدفت الأرباح الخاصة في سنوات الرواج لم تخدم المجتمع بقدر ما أصبح المجتمع في خدمتها خلال الأزمة، وهذا وضع غير صحي. وانتهى إلى التأكيد على أن البنوك في النظام الليبرالي الحديث لم تتمكن من تلبية الحاجات والرغبات الإنسانية بشكل مرضي وأنها فشلت في إنجاز أهداف توزيع الموارد لصالح المشروعات الصغيرة والمتوسطة ولصالح التنمية الاقتصادية.

ومن جهته قدم الدكتور أسد زمان[3] ورقة بعنوان: "بناء مؤسسات مالية إسلامية أصيلة" ويؤكد فيها بعبارات مختلفة وبالاستشهاد بآيات من القرآن الكريم على اختلاف نظرة الإسلام جذريا وكلياً عن نظرة الرأسمالية إلى الثروة والعمل على تراكمها. فالإسلام يحبب إلى الناس المعروف والإنفاق على الآخرين. وانتقد المصارف القائمة في العالم الرأسمالي بسبب تركيزها على كسب المال وكنزه والحفاظ على الثروة ومراكمتها، وهي تدعم تَركُّز الثروة في أيدي قلة من الأثرياء من حيث أنها تقوم بجمع المدخرات من عدد كبير من صغار المودعين وتحولها إلى كبار المستثمرين. وهذا مما يعارضه الإسلام نصاً لقوله تعالى: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [سورة الحشر:7]. ويتساءل أسد زمان عن المصارف، وهل  لها ضرورة اقتصادية حقاً في النظم المعاصرة؟ مؤكدا على أنها كذلك فيما يخص الاقتصاد الرأسمالي، أما في النظام الإسلامي فإنه لا يرى أن للمصارف ضرورة إلا إذا أمكن استبدال نظام الفائدة المضمونة الثابتة بنظام يعتمد حقيقة على عقود المشاركة. كما يشكك الباحث كثيراً في تجربة المصارف الإسلامية من هذه الناحية، فهو يرى أنها ليست إلا مؤسسات تحاكي المؤسسات المصرفية الرأسمالية، أما نجاح التجربة المصرفية الإسلامية فيحتاج في رأيه إلى تحول هيكل الاقتصاد بأكمله إلى هيكل إسلامي وهو أمر لم يتحقق بعد.

وأسهب أسد زمان في بيان التعارض بين السلوك الأخلاقي الإسلامي والسلوك في المجتمع الرأسمالي. فالإسلام يحث الإنسان على الإنفاق على الآخرين، ويستشهد في هذا الصدد بمؤسسة الوقف، بينما الرأسمالية تحفز المرء على أن يدخر الثروة ويستغلها في تحقيق المزيد من الربح لمصلحته الشخصية، وهذا ما تسهم المصارف فيه بصفة أساسية. إن نزعات حب النفس والثروة لأجل الثروة موجودة في البشر ومؤيدة بآيات قرآنية، ولكن الله عز وجل طلب من الإنسان أن يرتقي عن هذه النزعات ويسعى لإرضاء ربه بالعمل للآخرة، مؤكدا أن المسلمين لايزالون يتميزون عن غيرهم بالإنفاق، حيث قال: "ظل المسلمون دوما مجتمعا كريما، حتى يومنا هذا، وإن ابتعدوا عموما عن الممارسة السوية للإسلام، فلا تزال تصدُق عليهم سمة السخاء. وفي استبيان أجراه معهد الإدارة التجارية (ICM) في عام 2012، ثبت سبق المسلمين وتفوقهم الكبير على كافة المجتمعات الأخرى في العطاء الخيري، وفي مسح شبيه أجراه مركز بيو للدراسات (Pew Research Center) في عام 2012، تبين أن نسبة كبيرة من المسلمين يقومون بتبرعات خيرية، ويقدم نجم (2007) بيانات شبيهة حول سخاء المسلمين مقارنة بالمجتمعات الأخرى". ولذلك ينادي أسد زمان بضرورة إحياء مؤسسة الوقف، والتي هي "مؤسسة إسلامية أصيلة، تجسد روح السخاء الإسلامي" أدت "دورا محوريا في توفير الخدمات الاجتماعية في الفترات التي سبقت الحقبة الاستعمارية". ويقارن أسد زمان بين المصارف ومؤسسة الوقف فيقول: "وإذا كانت المصارف تقوم على أساس تحصيل مكاسب الدنيا للمودعين، فإن نظام الوقف يقوم على توليد مكاسب الآخرة. هذا الفرق في الروح هو الفرق الجوهري بين النظرتين الغربية والإسلامية للعالم، فكما تنافس المصارف من أجل إيجاد أفضل الاستثمارات في الدنيا، فإن الأوقاف تنافس من أجل أفضل الاستثمارات في الآخرة".

وانتقد أسد زمان بشدة المؤسسة المصرفية حينما تحدث عن "خيانة الأمانة" والنظام المصرفي، فهو يرى أن المصارف قامرت بالمودعين والأموال وخسرت خلال انهيار سوق المال عام 1929، حيث فقد الملايين مدخراتهم ووظائفهم ومداخيلهم جراء هبوط الإنتاج، وقد أدت اللوائح المصرفية الصارمة إلى منع تكرار هذه الأزمة على هذا النطاق إلى أن حدثت الأزمة المالية العالمية في 2007/2008. وفي تقييمه لمسيرة النظام المصرفي الغربي يقول أسد زمان: "إذا جدولنا التكاليف والأرباح، فإن تكاليف الأزمات المصرفية تفوق كثيرا مكاسب النظام المصرفي إذا تمت دراسة مسيرتها خلال المائة عام المنصرمة بأكملها، ومن ثم فبدلا من التسرع بالتقليد الأعمى للمؤسسات الغربية، على المسلمين دراسة السجل التاريخي لحالات إخفاق النظام المصرفي الكارثية المتكررة". وانتقل إلى البدائل الإسلامية فاقترح اسم (دار الأمانة) للإشارة إلى مؤسسة مقصدها الأساسي حفظ أصول المودعين حتى تكون آمنة. ويرى أن استنساخ مؤسسة لهذا الغرض سيستلزم إدخال العديد من الابتكارات لتلائم حاجات العصر الحديث. وقدم فكرته (دار الأمانة) على أنها ملائمة لتلقي الأموال عموماً، واقترح تقسيم ما تتلقاه من الناس إلى ثلاثة أجزاء: يكون جزء منها للحفظ بالكامل، حيث يتم حفظ الودائع ماديا وتأمينها (بتحويلها إلى ذهب أو فضة) وأما الجزء الثاني فيخصص لأغراض الاستثمار، ويمكن لهذه الودائع أن تحقق أرباحا مالية ولكنها ستكون عرضة للخسارة أيضا. أما الجزء الثالث فيخصص كقرض للأغراض الاجتماعية. ويؤكد على أن المصارف التقليدية إذا كانت معظم أرباحها الدنيوية إلى أقصى حد ممكن من خلال استثمار رأس المال، فإن دار الأمانة ستستخدم بعض الأموال المودعة عندها (باعتبارها قروضاً حسنة) لخلق رأس مال اجتماعي وإنساني وفقا لروح الإسلام، مشيرا إلى أن الدراسات الحديثة توضح أن ثروة الأمم في الرأسمال الإنساني تفوق كثيرا الرأسمال المادي، ومن ثم فبمقدور الاستثمارات في الإنسان أن تثمر ربحا يفوق كثيرا أنظمة التمويل الغربي التي تركز على الاستثمارات المادية.

ويختم أسد زمان بحثه بما أسماه: "المؤسسات ذات المقاصد العامة" ويقصد بها مؤسسات تقوم بدور بديل للمصارف التقليدية.  فهذه المؤسسات في رأيه "تتيح للأثرياء من أصحاب الفائض المالي المشاركة في التجارة والاستثمار، ويختلف هذا الأمر عن المصارف التقليدية في بعض الجوانب المهمة، لأن أرباحها لن تتحقق عن طريق استغلال ما لديها من الودائع واكتساب الفوائد، وإنما ستتحقق فقط عن طريق المشاركة من خلال تمويل مشروعات نافعة بها بعض المخاطر. وهذه المؤسسات تختلف أيضاً عن "المصارف الإسلامية المزعومة" حسب رأيه، والتي تستنسخ النموذج الغربي من خلال إتاحة الفرصة للأثرياء لكسب المال دون تحمل أية مخاطر أو تقديم أي خدمة للمجتمع، وهو ما يؤدي إلى الداء العضال نفسه من تركيز الثروة الناجمة عن المصارف التقليدية. ثم أشار إلى أوجه الاختلاف بين "المؤسسات ذات المقاصد العامة" وبين ما أسماه "مؤسسات الادخار ذات المقاصد الخاصة". فهو يرى أن هناك بعض المقاصد الخاصة يكون الادخار فيها مباحا بل مستحبا، وأن هناك الكثير من الأرباح التي يمكن تحقيقها من خلال منظمات الادخار ذات المقاصد الخاصة التي تستهدف حاجات معينة عند المسلمين، وأن مفتاح هذه المناقشة يعود إلى فكرة قيام هذه المنظمات بتقديم خدمات حقيقية، لا مجرد خدمات مالية فحسب، فعلى سبيل المثال، يجوز بل يستحب ادخار المال لأداء الحج، ولشراء المسكن الخاص ومواجهة الأزمات الصحية الطارئة، ويشير في هذا السياق إلى التجربة الماليزية حيث حقق صندوق الحج الماليزي نجاحاً في توفير خدمة الحج للمدخرين وتثمير أموالهم في الوقت نفسه. وأن الأمر يمكن أن ينجح في المشروعات الادخارية التي تقدم خدمات حقيقية كالسكن والصحة وليس مجرد استغلال مدخرات الناس كما هو الحال في الرأسمالية.

وفي تعقيبها على مقال أسد زمان قالت الدكتورة كاثرين سماري[4] إنها على وفاق تام مع الفكرة القائلة بأن أي نقاش جاد عن الأخلاق في النظام الرأسمالي العالمي المعاصر ومؤسساته المالية يجب أن يركز أولا وقبل كل شيء على "الروح العامة"، والتحليل والخصوصية التاريخية وتحولات النظام نفسه. كما اعتبرت أن أسد زمان أصاب في تأكيده على الدور السلبي "للأنماط الاقتصادية السائدة للسلوك الإنساني" في المجتمعات الرأسمالية. لكن في عبارة مقتضبة أكدت على أن هذا الاتفاق العام حول بعض القضايا "ليس كافيا في الواقع للجواب عن السؤال المطروح: ما هي الأهداف الرئيسية للمؤسسات المالية في النظام الاقتصادي الليبرالي الجديد الحالي فيما يتعلق بالفرد والمجتمع والنظام العالمي ؟".

وبعيداً عن الأفكار التي وردت في بحث أسد زمان قامت سماري بشرح روح النظام الليبرالي وأخلاقياته ومؤسساته من منظور اشتراكي ماركسي حديث، حيث اعتبرت أن المجتمع الليبرالي الجديد صار تحت رحمة السوق، وتحول إلى مجتمع سوقي، فصار السوق هو المسيطر على المجتمع بدلاً من العكس.  كما أشارت إلى أن الأزمات المتتالية - منذ القرن التاسع عشر - تبين أن السوق لا يوفر نموا ثابتا ،كما أن "النمو" ذاته لا يعني "العدالة" في حالة الإنتاج والتوزيع، فهو لا يضمن تلبية فعالة للضروريات، لا سيما تلك التي لا يعبر عنها بالمال مثل الكرامة الإنسانية والمشكلات البيئية. وتحدثت أيضاً عن الملكية الخاصة وكيف تطور شكلها على يد الرأسمالية، وتساءلت "هل "الملاّك" بعد أن أصبحوا أصحاب أسهم "مسؤولون" واقعيا ويحترمون المعايير الأخلاقية للإدارة؟ وهل باستطاعتنا اعتبار علاقة كالملكية الاجتماعية "أخلاقية" وهي تتستر على الاستغلال وتتعامل مع الإنسان كآلة؟ ".

وتناولت سماري أوجه القصور في أدبيات الليبرالية الحديثة وكيف أنه بدلا من تبني سياسات إعادة التوزيع التي بشر بها الكينزيون كان هناك تأكيد واهتمام بخفض الضرائب على رأس المال والسندات. وفي هذا الإطار كان هناك تنامي إلى حد كبير في أوجه الرعاية الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى تطور سوق مالي آخر بشكل كبير، هو سوق السندات العامة من خلال معدلات فائدة متفاوتة على الدين العام، ومعدلات غير مستقرة للصرف الأجنبي.

واعتبرت كاثرين سماري أن الليبرالية الجديدة عملت على تنمية منافسة عالمية دون حدود من خلال خفض الأجور العمالية، وزيادة مصادر الطاقة الكارثية (مثل الغاز الحجري). ومع نمو أسواق المال كان هناك ترقب مستمر من أصحاب الأسهم "لعائدات مرتفعة على الاستثمار"، وهي عائدات أتضح أنها "وهمية" لا تعبر عن سياسات استثمارية حقيقية. وفي هذا الإطار تحولت الأزمة التي انطلقت عامي 2007/2008 في الولايات المتحدة من أزمة مصرفية ومالية إلى كساد شديد. ثم ظهرت "أزمة الديون السيادية" نتيجة عملية إنقاذ المصارف في أوربا والدول الغربية لتؤكد المضي قدماً في تحقيق المصالح الخاصة للقوى الليبرالية الجديدة. وأشارت إلى وجود أدلة كافية تثبت أن المنطق المالي للنظام الرأسمالي في القرن الواحد والعشرين "يؤدي بنا إلى مستوى من المظالم وانعدام المساواة يضاهي ما كان موجودا إبان نهاية القرن التاسع عشر، ولا يمكن لذلك إلا أن يفضي إلى انفجارات اجتماعية وتجريم أعمال المقاومة، في حين أن النظام المصرفي نفسه يصبح في غاية الضخامة لدرجة يستحيل معها تقييده". فهناك إذًا حاجة ماسة لمنطق بديل باستطاعته "دمج" الاقتصاد في الخيارات الاجتماعية والأخلاقية والبيئية بحيث يقوم على التضامن والخيارات الديمقراطية بحسب سماري.

ومن الأوراق المقدمة أيضاً في هذه الندوة بحث للدكتور علي محيي الدين القره داغي[5] بعنوان "المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد العالمي" حيث قام بتعريف مقاصد الشريعة وأنواعها، فذكر ثلاثة أنواع: المقاصد العامة، والمقاصد الخاصة بكلي معين مثل التمويل الذي يشمل مجموعة من العقود، أو بموضوعات معينة، والمقاصد الجزئية الخاصة بحكم معين سواء كان له مقصد واحد، أو أكثر مثل الأمر بكتابة الدين. ثم تناول بالشرح أهمية تحديد المقصد الخاص وأثره على الاختلاف في الأحكام.

فبعد المقدمة بدأ في شرح المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالفرد، والمجتمع، والدولة، والاقتصاد العالمي وذكر فيما يتعلق بالفرد عشرة مقاصد، أولها تحقيق العبودية لله تعالى في نطاق الأموال، ثم الحفاظ على المال وتنميته، وتوفير الأمن الاقتصادي للفرد، وجمع مدخرات الأفراد وتوجيهها من خلال التمويل والاستثمار نحو التنمية وتعمير الأرض وإصلاحها لصالح البشرية والمخلوقات جميعاً، وتحقيق التبادل الحقيقي للأعيان والمنافع، وتوفير الطيبات للأفراد، وتحقيق السعادة لهم من خلال توجيه التمويل، والتخفيف من آثار الفقر والبطالة والتضخم، والنهوض بالفرد بالاستخدام الرشيد للمال من خلال التمويل الناجح والاستثمار الرائد، والمساهمة في تحقيق تداول الأموال بين الناس، بما يمنع من تركز الثروة في أيدي الأغنياء، وأضاف "تنشيط قانون العرض والطلب وضبطه بقانون الأخلاق والقيم".

واعتبر القره داغي أن المقاصد التي ذكرت للفرد تندرج حالاً أو مآلاً ضمن مقاصد المجتمع، لكن المجتمع مع ذلك له خصوصية في مقاصد التمويل أجملها في ستة مقاصد: تكوين مجتمع ملتزم في أنشطته الاقتصادية بالأحكام الشرعية والقيم والأخلاق الإسلامية، تنمية شاملة للجانب الاجتماعي والثقافي والفكري للمجتمع، المساهمة في تعمير الأرض بما يحقق رسالة الإنسان في الاستخلاف، وتحقيق العدل في الأنشطة الاقتصادية ولا سيما في نطاق التوزيع وإعادة التوزيع، وتحقيق التكافل الاقتصادي والاجتماعي، و تخفيف آثار الفقر والبطالة، والتضخم والتخلف، والمساهمة في علاجها علاجاً جذرياً.

ثم تناول القره داغي المقاصد العليا للتمويل الإسلامي المتعلقة بالدولة في أربعة نقاط وهي: تقوية الدولة اقتصادياً والوصول بها إلى الاكتفاء الذاتي من خلال تنشيط حركة التمويل والاستثمار، وتحقيق الاستقرار، وتوفير الأمن الاقتصادي الذي يعدّ مكملاً للأمن السياسي، والمساهمة في زيادة العرض الكلي والطلب الكلي للمنتجات بشكل يترتب عليه تنشيط الاقتصاد الكلي، ومساعدة الدولة في أداء دورها في بناء المؤسسات الحضارية وفي تحقيق التكافل والتضامن، والتأمين الصحي والمستقبلي، وأداء دورها العسكري في الدفاع عن الدين وعن سيادة الوطن وأمن المواطن وكرامته، وتوفير الأجواء المناسبة للتمويل والاستثمار من خلال القوانين المنظمة لهما، والحامية لحقوق المستثمرين، وتحقيق التوزان، وتوجيه الأموال نحو التنمية الشاملة والحضارة والتقدم والرفاهية.

وبعد إشارته الموجزة إلى الأزمة المالية العالمية الأخيرة، أشار القره داغي إلى المقاصد العليا العالمية للتمويل الإسلامي، وكيفية نجاة النظام المصرفي الإسلامي من هذه الأزمة، مؤكدا على أن الاعتماد على تبادل الأعيان والمنافع والحقوق الحقيقية، والابتعاد عن الربا وتجارة الديون بأشكالها الحديثة هو السبب وراء نجاته من تداعيات هذه الأزمة. ثم حدد هذه المقاصد العليا للتمويل الإسلامي والمتمثلة في: إعطاء صورة حقيقية مشرقة للاقتصاد الإسلامي بصورة عامة، وللصيرفة الإسلامية بصورة خاصة، والمساهمة في إنشاء اقتصاد عالمي يتسم بالعدالة والشفافية، وتتحكم فيه القيم والأخلاق، ويقوم على اقتصاد يتعامل مع الأعيان والمنافع والحقوق الحقيقية الموجودة، وتكون أدواته عقوداً حقيقية لا صورية ولا شكلية ولا وهمية، ولا مجرد تركيب للعقود لينشأ منها هيكلة مرتبة ورقياً ولكنها لا تحرك ساكناً، ولا تحقق دورة للاقتصاد، ولا تجعل الأموال دولة بين الناس.

لكن إنشاء مثل هذا الاقتصاد العالمي بحسب القره داغي يتطلب: إعادة النظر في هياكل النظام الاقتصادي العالمي مالياً ونقدياً ومصرفياً، وإصلاحها إصلاحاً جذرياً، وتطوير المنظمات المالية الدولية وإحلال سياسة نقدية تعمل على تصحيح وظائف النقود وتعتمد على أدوات فعالة لتشجيع الإنتاج والنمو والربح بدل الفائدة، ووضع سياسات مالية محكمة وقادرة على ضبط السوق والمؤسسات المالية ضبطاً متوازناً، وتوجيه التمويل والاستثمار نحو تحقيق التنمية الشاملة في الأرض وضبط الأنشطة الاقتصادية وربطها بالعدل والإحسان والشفافية وتوجيهها لتحقيق سعادة الفرد والمجتمع والأمة، والتركيز على أن يؤدي المال وظيفته الاجتماعية من تحقيق التكافل والتوزيع العادل بين البشر جميعاً. ويتطلب أيضاً تفعيل القيم الأخلاقية في التعامل، وقواعد الحلال والحرام في المعاملات وتصحيح عقود التمويل بحيث تقوم على المشاركات، والعقود الناقلة للملكية بحيث تقوم على التملك والتمليك الحقيقيين، وعقود التبرع بحيث لا يتم استغلالها للاسترباح والفائدة، كما يؤكد على أن ربط التمويل الإسلامي بمقاصد الشريعة سيجعله عالمي النزعة والفطرة.

وفي جانب من حديثه قام القره داغي بشرح مقاصد الشريعة في الاقتصاد بصورة عامة مع إعطاء أمثلة، كما أشار إلى دور فقه المآلات، والقواعد العامة مثل سد الذرائع وتحقيق المناط، وكونها ضرورية لتحقيق الغرض المنشود من التحليل الاقتصادي في الإطار الإسلاميً، وأنه وسيلة فعالة للوصول إلى النتائج المرجوة من هذا التحليل. كما بيّن بمزيد من الشرح أهمية ربط التمويل بالمقاصد وآثار ذلك، و دور مقاصد المكلفين في الاقتصاد ودور النيات والقصود في ترسيخ القيم والأخلاق في الأنشطة الاقتصادية.

وختم القره داغي بحثه بالإجابة عن سؤالين، أولهما عن كيفية تقييم مسيرة التمويل الإسلامي اليوم، والثاني عن مدى تقديم التمويل الإسلامي نموذجاً بديلاً، أم يمكن القول بأنه لا يزال مقيداً بأغلال النظام الاقتصادي الليبرالي الراهن وسارياً في ركبه؟

وجوابا على السؤال الأول، أشار القره داغي إلى أن اهتمامه سوف يركز على تقييم مسيرة البنوك الإسلامية فقط، حيث ذكر أن هذه لها إيجابيات عظيمة، فالبنوك استطاعت أن تقدم البدائل الإسلامية في كل المجالات التي كانت البنوك التقليدية تقدمها بشكل غير مشروع، وبذلك رفعت الحرج عن المسلمين في مجال الصيرفة وحافظت على أموال المسلمين التي استثمرت فيها وأعطت صورة جيدة لثبات الاقتصاد الإسلامي واستقراره أثناء الأزمة المالية العاصفة. إلا أنه لم ينكر أن هناك سلبيات في التجربة المصرفية الإسلامية من حيث أن المصارف الإسلامية لم تستطع أن تبدع وتصل إلى دائرة الاقتصاد الإسلامي بصورته الحقيقية الفعالة القائمة على المساهمة في التنمية الشاملة، وتحقيق مقاصده التي ذكرها. كما أن هذه المصارف "لم تستطع أن تتحد وتتكامل، وتجتمع بصورة عملية مؤثرة في إطار عالمي واحد مع الحفاظ على خصوصية كل مؤسسة، بل ظلت متفرقة متشرذمة من حيث المآلات والنتائج، على الرغم من وجود عناوين جامعة لها، مثل اتحاد البنوك الإسلامية، ثم المجلس العام للبنوك الإسلامية، حتى داخل البلد الواحد لم يكن هناك تكامل بينها، بل ظل كل بنك يعمل وفق رؤيته الخاصة به". كما أن البنوك "أكثرت من التعامل بالمرابحة والتورق في السلع والمعادن الدولية التي تحيط بها الشبهات من كل جانب، وبخاصة إذا كان التورق منظماً". وبشكل عام حدث تراجع في جودة المنتجات المصرفية الإسلامية في الآونة الأخيرة بحسب القره داغي، حيث تحولت معظم المرابحات الحقيقية إلى مرابحات دولية صورية أو ورقية، ثم التورق المنظم، والمرابحة العكسية مع التورق، كما تحولت الصكوك في أكثرها إلى ما هو أشبه بالسندات. ومن ضمن السلبيات أيضاً افتقار المصارف الإسلامية إلى قوانين تنظم نشاطها وتلزمها في الدول التي قامت فيها في معظم العالم الإسلامي، وغياب قوانين منظمة للهيئات الشرعية لدى المصارف الإسلامية تلزمها بثوابت الاقتصاد الإسلامي مما أدى إلى ظهور فتاوى رديئة وضعيفة جداً. هذا بالإضافة إلى عدم وجود مراكز بحث متطورة تقوم بدراسة المؤسسات المالية الإسلامية ومنتجاتها وعقودها وأدواتها وصكوكها وكل ما يتعلق بها في ضوء التقدم العلمي والموروث الحضاري.

إن هذه السلبيات لن تقلل في رأي القره داغي من شأن مسيرة البنوك الإسلامية، ومن الممكن تدراكها بوضع "الخطط والبرامج والآليات والأدوات المدروسة للوصول إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية" و "الخروج عن العقود والاتفاقيات والعقود المركبة، والوعود التي يراد بها التحايل، أو الصورية" و "عدم الاستغلال، وضرورة مصاحبة الرحمة للعقود" بالإضافة إلى "العناية بالدور التنموي والاجتماعي والاستثماري للمصارف".

أما بالنسبة للسؤال الثاني، فذهب القره داغي إلى أن التمويل الإسلامي لم يستطع أن يقدم للاقتصاد الإسلامي البديل عن الاقتصاد الرأسمالي، وأهم سبب لذلك في اعتقاده هو أن "الصيرفة الإسلامية قد نشأت وترعرعت في ظل الاقتصاد الوضعي والقوانين والأنظمة الوضعية، ولم تساعدها الحكومات الإسلامية في إنشاء القوانين والأنظمة الخاصة بها، ولذلك ظلت حبيسة القوانين والأنظمة الوضعية".

وفي تعقيبه على بحث القره داغي، أشاد الدكتور حاتم القرنشاوي[6] بالبحث واعتبر أن الباحث قدم مدخلا موفقا لتحليل المقاصد الشرعية، حيث تناولها على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، وأشار إلى أنه مع موافقته على رأي الباحث في ارتباط التمويل في الفكر الإسلامي بالأخلاق إلا أنه ينبغي القول إن التمويل في الفكر الرأسمالي يرتبط كذلك بقيمه وإطاره المرجعي الخاص والذي يعلي من الفردية وتعظيم الربح الخاص على ما عداه من اعتبارات. كما أشار إلى أن مفهوم التمويل في الفكر الرأسمالي لا يقتصر على القرض بفائدة وإن كانت هي الصورة الغالبة. وعما إذا كان التمويل المبني على المفاهيم الإسلامية قد حقق أهدافه في إطار المقاصد الشرعية، اعتبر المعقب أنه مازال في بداية الطريق، وأضاف أنه مالم نصل إلى طرح منتجات مالية نابعة من الفكر الإسلامي وليست منتجات تقليدية معدلة لتتوافق مع الشريعة كما يطلق عليها، فسيكون من الصعب الحديث عن تحقق مقاصد التمويل على مستوى المجتمع والدولة ومن باب أولى على المستوى العالمي، وأشار أيضاً إلى أن ارتباط الجانب الأكبر من  التمويل في التطبيق بالعمل التجاري قصير الأجل مسترشدا في أحيان كثيرة بسعر الفائدة أدى لابتعاده عن الصيغ التي تصلح لتحقيق التنمية، كما أنه لم يقدم إلى الآن النموذج المرغوب فيه، بل قدم وباستثناءات قليلة، لكن هذه الاستثناءات مجرد بدائل للصيغ التقليدية بعد إعادة صياغتها.

وعقّب الدكتور عبد العظيم أبو زيد أيضاً على بحث القره داغي، حيث يرى أن الباحث قرر أن النظام الاقتصادي الإسلامي في مجال الصيرفة والتمويل الإسلامي قد نجا من الأزمة المالية العالمية، ولم يصبه سوى غبارها بسبب الاعتماد على تبادل الأعيان والمنافع والحقوق الحقيقية، والابتعاد عن الربا، وسندات الديون، وغير ذلك من الممارسات التي ابتليت بها البنوك التقليدية. والحقيقة بحسب المعقب خلاف ذلك، حيث وُجد في تعاملات مؤسسات التمويل الإسلامي ممارسات لا تختلف في جوهرها عن الإقراض الربوي السابق ذكره، كبيع العينة والتورّق وبيع الديون بعد تصكيكها. كما أثنى أبو زيد على اهتمام الباحث بفقه المآلات المرتبط بسد الذارئع ودعوته إلى اعتماد نفس المنهج في  الاقتصاد. وعلق فقهياً على تناول الباحث لقضية النيات والقصود في العقود، وأنه أصاب في قوله أن "جميع الأنشطة الاقتصادية تخضع للنيات من حيث الحل والحرمة، والثواب والعقاب، وهذه الشمولية للنيات تعتبر من خصوصية الاقتصاد الإسلامي". لكن لزم للباحث أيضاً أن يشير عند حديثه عن مآلات الأفعال إلى أن القصود غير المحرمة لا تسعف صاحبها لو كان الفعل بحقيقته مؤدياً إلى مفسدة تخالف مقاصد الشريعة، "وعليه، فإن المؤسسة المالية التي تقصد بعقود التحايل على الربا إعانة العملاء على تحقيق بعض حاجاتهم التمويلية النقدية تقع كذلك في الحرام، ولا عبرة بهذا القصد". واعتبر عبد العظيم أبو زيد أن هناك معاملات مالية مشبوهة تمارس في كثير من المؤسسات المالية الإسلامية اليوم تسوّغ فيما تسوغه بتحقيق مقاصد كلية للشريعة الإسلامية مثل تقوية المركز التنافسي لهذه المؤسسات تجاه المؤسسة المصرفية التقليدية، وأن الاستناد على المقاصد هنا يتم بطريق الخطأ حيث لا توجد ضرورة لممارسة المحظور شرعاً، "بل وليس قيام تلك المؤسسات هو من قبيل الضرورة أصلاً، أي الضرورة بشروطها الشرعية المعروفة التي تسوغ المحرم". وأضاف "إن تسويغ المعاملة المشبوهة باتباع شكليات وتغيير الأسماء يسيء إلى الدين الإسلامي عامة إساءة بالغة، لأنه يسلب عن الشريعة الإسلامية منطقية الأحكام ويفترض بناءها على أساس شكلي وصوري، مما ينفر عنها المسلمين وغير المسلمين". واعترض على استخدام مصطلح  "السياسة الشرعية" لتبرير بعض تطبيقات المعاملات المالية التي لا تجوز باعتبار الأدلة الظاهرة، أو الأقوال الفقهية المعروفة، أو مواقف المجامع الفقهية، وذلك من باب أن السياسة الشرعية تقوم على تحقيق المصالح التي تمثل مقاصد الشريعة. وقال إن هذا تطورٌ خطير وفاسد. ذلك لأن التصرف بمقتضى السياسة الشرعية هو للحكومة المسلمة، تقرره وفق المصلحة العامة وفي إطار الشورى، وتقصير الحكومة المسلمة في هذا الجانب لا يخوّل الأفراد أن يبوؤوا أنفسهم دور الحكام. كما أن السياسة الشرعية لا تخول من يتصرف بمقتضاها تسويغَ المحرم وتسميته حلالاً. ويلفت النظر بشدة إلى تعدد جهات الفتوى الشرعية بتعدد المؤسسات المالية مما يؤدي إلى تعارض المفتى به بمقتضى السياسة الشرعية حتى في نطاق البلد الواحد. كما أن هذ الجهات الشرعية العاملة لدى المؤسسات المالية الإسلامية تفتقر إلى الاستقلالية، وإن ما تقرره وما تروّجه من فتاوى شرعية بحجة المقاصد الشرعية أو السياسة الشرعية يعود بالنفع المادي عليها وعلى المؤسسات التي تستفيد من هذه الفتاوى، وأن ذلك يسيء إساءة بالغة إلى العمل المصرفي الإسلامي.

ومن جهته اعتبر الدكتور محمد فاضل[7] في بحث له بعنوان:" الأخلاق والمالية: نظرة إسلامية"، أن المصارف أصبحت ضرورية للتمويل الحديث، وأنها لم تذكر في الوحي، ويمكن وصف النظام المصرفي بالكفاءة النسبية من خلال قياس نجاحه في نقل فائض رؤوس الأموال غير المستغلة من المدخرين إلى المستهلكين والمستثمرين.

وقال "لعل أقرب نظائر نصوص الوحي التي توفر وساطة مالية على نطاق واسع تتمثل في عقد المضاربة"، لكن إذا اعتمدنا على المضاربة المركبة من طبقتين لن نجد أنها تمثل الصورة المثلى للوساطة المالية. فالمضارب (أي: المصرف الإسلامي) لا يستطيع ضمان رأس مال المودعين وذلك خلافا للمصرف التقليدي. ومن الناحية العملية فإن المشكلة إن تمسّكنا بقاعدة عدم الضمان هذه فإن المودعين لأموالهم في المصارف الإسلامية سيواجهون مخاطر أكبر لدى المصارف الإسلامية بالمقارنة بالمصارف التقليدية، كما أن الفقراء نسبياً من المودعين لن يكونوا مستعدين لدفع أي شيء من مدخراتهم الضئيلة لأي مصرف إسلامي. ومن ناحية أخرى فإنه على الصعيد السياسي لن تسمح حكومة من الحكومات بإفلاس مصرف من المصارف الإسلامية إذا كان هذا يعني فقدان المودع المتوسط لمدخراته. كما ناقش فاضل كيفية الخروج من هذه المشكلة، وهل نستمر في حرمان المصرف الإسلامي من ضمان أموال المستثمرين؟ أم تقوم الدولة بدور الضامن "وهو ما سيؤدي إلى أن تختار المصارف الإسلامية الاستثمار في مشروعات بالغة الخطورة لاطمئنانهم أنه في حالة إفلاس الاستثمار ستقوم الحكومة بإنقاذهم"، أم يلتزم المصرف الإسلامي بالقواعد الإسلامية التقليدية على أن يتخذ حذره تجاه المخاطر وذلك بالحفاظ مثلا على نسبة سيولة أعلى من المصارف التقليدية أو يستثمر في مشروعات أقل تعرضا للمخاطر أو يتبع الأمرين كليهما. "ولعل هذا الخيار الثالث - حقيقة هو الأكثر شيوعا - هو البديل الأسوأ، لأنه يؤدي إلى أكبر الخسائر على صعيد الكفاءة؛ حيث يرفض المصرف تمويل المشروعات الواعدة على صعيد الربح إذا كانت تنطوي على مخاطرة نسبية". ويستخلص من هذه المناقشة أن المصارف التقليدية أكثر كفاءة في توزيع المدخرات من أي مصرف إسلامي في وضع مناظر، لأنه لا يستطيع ضمان ودائعه. وهو ما يثير السؤال عما إذا كانت الكفاءة في حد ذاتها تشكل قيمة مهمة في نطاق الأخلاق الإسلامية؟ وتناول الإجابة على هذا السؤال من الناحية الاقتصادية العامة فأكد أن النظام المالي لن يتسم بالكفاءة إلا إذا كان يستفيد بكافة من الموارد المتاحة له على الوجه الأكمل، وأن مضاعفة الكفاءة تعني ببساطة تقليل الإهدار إلى أدنى حد. أما من الناحية الإسلامية فيستنبط أدلة من القرآن على أن الكفاءة قيمة أخلاقية إسلامية مهمة، كما يأتي بأدلة من الفقه الإسلامي وأمثلة تدل على نفس المعنى.

وفي هذا الإطار وحيث الكفاءة فضيلة أخلاقية إسلامية  يرى فاضل بأن الاجتهاد في مسألة ضمان المصارف الإسلامية للودائع يصبح منطقياً ومطلوباً. ذلك أن العامل في نظام المضاربة وهو المصرف الإسلامي "يجب أن يكون مسؤولا عن تحمل الخسارة لمنع الاستثمارات الخاسرة في المشروعات المعرّضة لمخاطر كبيرة"، وأن التحقيق الكامل لأرباح الوساطة المالية (الكفاءة) لا يمكن إلا من خلال هذا. "وبناء على ما سبق، فإن أحد المقاصد الراجحة في التمويل الإسلامي هو تقليل الخسائر الاجتماعية غير المغطاة إلى أقصى حد، حتى وإن كان ظهورها مرتبطا مع معاملات تتفق شكليا مع قواعد الفقه الإسلامي، ففي حقيقة الأمر يمكن للمرء أن يقول: متى كان التزام قواعد الفقه الإسلامي الشكلية مفضيا إلى تحمل خسائر غير مغطاة، فإن القاعدة الراجحة للفقه الإسلامي في هذا الحال – رفع الحرج – تقتضي الترخيص استثناء من القاعدة المعمول بها عادة. ويجب إعمال هذا المبدأ عموما في تحليل كافة قضايا المعاملات والمؤسسات المالية المعاصرة بهدف تحقيق توازن مستدام يتمتع بمقدار معقول من الاستقرار". كما تناول فاضل تطبيق القواعد الشرعية في المصارف الإسلامية وإلى أي مدى كان هذا التطبيق شكلياً محضاً ويؤدي إلى آثار غير مرغوبة، و أكثرها خطراً تقويض ثقة الجمهور في الإسلام عندما يكتشفون أن المنتج الإسلامي لا يختلف في جوهره عن المنتج التقليدي، بل يكون في بعض الحالات أشد إرهاقا.

ويتساءل فاضل في الأخير: هل أدى إنشاء المنتجات الإسلامية في أسواق الائتمان والأسهم إلى "زيادة صافية في الودائع المصرفية واستثمارات الأسهم في الشركات العامة"، أي هل "نجح في إقناع الناس بإيداع أموالهم في المصارف الإسلامية أو صناديق الاستثمار الإسلامي"، بدلاً من المصارف التقليدية أو بدلاً من استثمارها في أسواق الأسهم العامة؟ وبذلك يمكن القول بأن ازدياد "الكفاءة الكلية لنظام الوساطة المالية" ليس لديه ما يبرهن عليه، ويبدي شكّه في نجاح إدخال التمويل الإسلامي في بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة في تحقيق زيادة على صعيد الكفاءة الكلية للوساطة التمويلية في هذه الدول".

وفي تعقيبه على بحث محمد فاضل اعتبر الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع أن الباحث أجاب في رأيه عن السؤال الأساسي للندوة: "ما هي المقاصد الأساسية للتمويل الإسلامي فيما يتعلق بالفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد ‏العالمي؟"، ولكن بجواب مقتضب. ثم اعتبر أن رعاية المقاصد الجوهرية للتمويل المتمثلة في تنمية المال، بتدويره وعدم حبسه واستثماره بما يؤدى إلى تطوير المجتمع ويعود بالنفع على جميع أفراده هي من المهام الأساسية للدولة. وإن آية كنز المال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة التوبة:34] دليل بارز على فرض تحريك وتدوير المال ومنع حبسه، وليس الكنز هو الادخار وأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدخر، وذلك ردا على بعض ما ورد في بحث محمد فاضل. وقال إنه يوافق الباحث في أن جانبا من العقبات أمام نجاح التمويل الإسلامي يرجع إلى "الخلفية التاريخية للفقه الإسلامي، والذي يعني الآراء الفقهية والمذهبية، وإلى السطحية في التعامل مع متغيرات الواقع في ظلال تلك الملامح والاجتهادات التاريخية. واعترض على اعتبار المضاربة التي اعتمدت عليها المصارف الإسلامية من الوحي! وأن علينا تطويرها. معتبرا أن المضاربة في الممارسات قديما أو حديثاً عقد خاضع للآراء والقواعد الفقهية، لأنها إن كانت من الوحي فإذاً" نحن أمامها لا نملك إلا أن نطوع مفاهيمنا في سياقها كأساس في عقيدتنا وديننا". كما رد على القول بأن المصرف مؤسسة لا نظير لها في الوحي بأنه كلام يحتاج إلى تدقيق، لأن الكلمة أو المؤسسة المعنية لم يرد ذكرها في الوحي، ولكن المعنى والمقصد يندرج تحت عموميات الشريعة.

وعن دور المضاربة في العمل المصرفي الإسلامي، قال الجديع إنه يوافق الباحث في نقده للفكرة والمشكلات الناشئة عنها في الجانب التطبيقي، وأنها بحاجة إلى التطوير، لكنه يعترض بشدة على القول بأن "فشل مشروع "الحلال" في المصرف "الإسلامي" في مقابلة مشروع "الحرام" في المصرف "التقليدي" يعود إلى هذه المشاكل. هذه النقطة تمثل "مشكلة قادحة في الصميم في الجانب الأخلاقي؛ لأنها تصور أن الفقه "الإسلامي" عقبةٌ في طريق التطور إلى الأفضل، وتحقيق المصالح الراجحة، وهذا أمر يصعب تصوره فضلاً عن قبوله؛ فإن الشريعة التي لها صفة الكمال لتحقيق مصالح الحياة لا يمكن أن تكون تشريعاتها حائلة دون ذلك، بل إن فكرة "الفشل" في ذاتها دليل قاطع على خطأ بشري في تفسير الشريعة. ويوافق الباحث رأيه "بضرورة العدول عن الرأي التقليدي القائل بعدم مسئولية الشريك العامل عن تحمل الخسارة في المال لو وقعت. ولكن بالتخريج على وجه آخر أحسبه أولى مما تفضل به" يضيف الجديع، "وذلك أن ما استند إليه يتضمن إقرار حكم المنع، وإنما خرج منه استثناءً، ورعاية المقاصد توجب أن يتخرج الحكم على طريق التأسيس لا الاستثناء". ويضيف الجديع: "إن قواعد الفقه ليست نصوصاً شرعية ليفرض على الأمة الخضوع لها، فهي في أغلبها أغلبية لا مطلقة، كما أنها نتاج اجتهادات بشرية ترد عليها القوادح" ، مثال قاعدة "كل قرض جر نفعاً فهو ربا" فهي من القواعد الفقهية الضعيفة؛ لافتقارها إلى دليل صالح للاحتجاج. وقال "إن الالتزام السطحي بالآراء الفقهية التاريخية والانتهاء إليها دون رعاية أصول الشريعة ومقاصدها يمثل في نفسه مشكلة أخلاقية؛ لما ينطوي عليه من التبعية والتقليد، ولما فيه من تعطيل للعقول عن الإبداع في الفقه وفي التطبيق، ومن ثم تكون رعاية ذلك من قبيل الجناية على طاقات الأمة وقدراتها ومقوماتها، وليس بقاءً في إطار الشريعة".

[1] Bangor Business School, Bangor University, Bangor, Gwynedd, LL57 2DG, UK Tel: +44 1248 382170. Fax: +44 1248 383228. Email: p.molyneux@bangor.ac.uk

[2]  ) مدير إداري، نور للاستراتيجيات العالمية وأستاذ زائر بجامعة دريك.

[3] ) المدير العام للمعهد الدولي للاقتصاد الإسلامي ، الجامعة الإسلامية العالمية، إسلام أباد.

[4] ) الأستاذ بجامعة باريس.

[5] ) الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين  ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

[6] ) عميد كلية الدراسات الإسلامية، جامعة حمد بن خليفة، قطر.

[7]  ) أستاذ كرسي البحث الكندي للفقه والاقتصاد الإسلامي وأستاذ القانون المشارك بجامعة تورنتو، كلية القانون.
0

انشر تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*